vendredi 3 avril 2009

آخرُ عُصْفورٍ يخرج من غرناطة - نزار قباني




آخرُ عُصْفورٍ يخرج من غرناطة

2
عيناكِ .. آخرُ ما تبقي من تراث العِشْقِ ،
آخرُ ما تبَقّي من مكاتيبِ الغرامْ
ويداكِ .. آخر دفتريْنِ من الحريرِ ..
عليهما ..
سجَّلْتُ أحلي ما لدي من الكلامْ
العشْقُ يكويني ، كلوح التوتياءِ ،
ولا أذوبْ ..
والشِّعْرُ يطْعنُني بخِنْجَرهِ ..
وأرفضُ أن أتوبْ ..
إني أُحبُّكِ ..
يا التي اخْتَزَنَتْ بعيْنَيْها بُحيْراتِ الجنوبْ
ظلّي معي ..
حتى يظلَّ البحرُ مُحْتَفظاً بزُرْقتِهِ
ويبقي الخوخُ مُحْتَفظاً بنكهتهِ ،
ويبقي وجهُ فاطمةٍ
يُحلِّقُ كالحمامةِ تحتَ أضواءِ الغُروبْ
ظلِّي معي .. فلَرُبَّما يأتي الحُسينُ
وفي عباءتهِ الحمائِمُ ، والمباخِرُ ، والطُّيوبْ
ووراءهُ تمشي المآذنُ ، والرُّبي
وجميعُ ثوارِ الجنوبْ ..
3
عيناكِ آخرُ ساحِليْنِ منَ البنَفسجِ
والعواصفُ مزَّقتني
فكَّرْتُ أنَّ الشعرَ يُنقذني ..
ولكنَّ القصائدَ أغْرقتني ..
فكَّرْتُ أنَّ الحبَّ يمكنُ أن يُلَمْلِمَني
ولكنَّ النساءَ تقاسَمَتني
أحبيبتي :
أُعجوبةٌ أنْ ألتقي امرأةً بهذا الليلِ ،
ترضي أن تُرافِقني ..
وتَغْسِلَني بأمْطارِ الحنانْ
أُعجوبةٌ أنْ يَكْتُبَ الشُّعراءُ في هذا الزمانْ
أعجوبةٌ أنَّ القصيدةَ لا تزالُ
تمرُّ منْ بينِ الحرائِقِ والدُخانْ
أعجوبةٌ أنَّ القصيدةَ لا تزالُ
تَنُطُّ من فوقِ الحواجزِ ، والمَخافِرِ ، والهزائمِ ،
كالحِصانْ
أعجوبةٌ .. أنّ الكتابة لا تزالُ ..
بِرَغْمِ شَمْشَمَةِ الكلابِ ..
ورغْمَ أَقْبيَةِ المباحثِ ،
مصْدراً للعُنْفُوانْ ..
4
الماءُ في عيْنيكِ زيْتيٌّ
رَمَاديٌّ ..
نبيذيٌّ ..
وأشْرِعتي دُموعْ
وأنا علي سَطْحِ السفينةِ ،
مثلَ عُصْفورٍ يتيمٍ
لا يُفكرُ بالرجوعْ
بيروتُ أرْمَلَةُ العروبةِ
والحواجزِ ،
والطوائفِ ،
والجريمةِ ، والجُنونْ ..
بيْروتُ تُذْبَحُ في سرير زفافها
والناسُ حولَ سريرها مُتفَرِّجونْ
بيروتُ
تَنْزِفُ كالدَجاجَةِ في الطريقِ ،
فأيْنَ فّرَّ العاشِقونْ ؟
بيروتُ تبْحثُ عن حقيقَتِها ،
وتَبْحثُ عن قبيلتِها ..
وتَبْحَثُ عنْ أقارِبها ..
ولكنَّ الجميعَ مُنافقونْ ..
5
عيناكِ آخر رحلةٍ ليْلِيَّةٍ
وحقائبي في الأرضِ تنْتظِرُ الهبوبْ
تتوسَّلُ الأشْجارُ باكيةً لآخذَها معي
أرأيتُمُ شجراً يفكِّرُ بالهروبْ ،
هذا هو الزمنُ المُضرَّجُ بالبَشاعَةِ ، والفضائحِ ،
والخيانةِ ، والذنوبْ ..
هذا هو الزمن الذي فيهِ الثقافةُ ،
والكتابةُ ،
والكرامةُ ،
والرجولةُ في غروبْ
كيفَ الدخولُ إلي القصيدةِ يا تُري ؟
ودفاتري ملأى بآلاف الثُقُوبْ ..
وقميصيَ العربيُّ مملوءٌ بآلاف الثُقُوبْ ..
النفْطُ يسْتلقي سعيداً تحتَ أشجارِ النُعاسِ ،
وبينَ أثداء الحريمْ ..
هذا الذي قد جاءنا
بثياب شيطانٍ رجيمْ ..
النفطُ هذا السائلُ المنويُّ ..
لا القوميُّ ..
لا العربيُّ ..
لا الشعبيُّ
هذا الأرنبُ المهزومُ في كلِّ الحروبْ
النفطُ مشروبُ الأباطرةِ الكبارِ ،
وليس مَشْروبَ الشعوبْ ..

7
عيناكِ .. آخرُ ما تبقي من شُتولِ النَخْلِ
في وطني الحزينْ
وهواكِ أجملُ ثورةٍ بيضاءَ ..
تُعْلَنُ من ملايينِ السنينْ
كوني معي امرأةً ..
يُغطي وجهها وجهَ الصباحْ
كوني معي شِعْراً
يسافرُ دائماً عكس الرياحْ ..
كوني معي غجريَّةً ، بَدَويَّةً ، وحشيَّةً
كوني معي جنيَّةً
لا يبلغُ العشَّاقُ ذرْوَةَ عِشْقهمْ
إلا إذا التحقوا بصفِّ الغاضبينْ ..
أحبيبتي :
إني لأعْلِنُ أنَّ ما في الأرض من عِنَبٍ وتينْ
حقٌ لكلِّ المُعْدمينْ
وبأنَّ كلَّ الشِّعْرِ .. كلَّ النثرِ ..
كلَّ الكُحْلِ في العينينِ ..
كلَّ اللؤلؤِ المَخْبوءِ في النهْدينِ ..
كلَّ العُشْبِ ، كلَّ الياسمينْ
حقٌ لكل الحالمينْ ..
كوني معي ..
ولسوفَ أعلنُ أنَّ شمسَ اللهِ ،
تُشبِهُ في استدارتها رغيفَ الجائعينْ
ولسوفَ أُعلِنُ دونما حَرَجٍ
بأنَّ الشِّعْرَ أقوي من جميعِ الحاكمينْ

Partagez cet article sur vos réseaux sociaux :



Recevez les nouveautés par email

0 commentaires:

Sélectionnez les signes à côté du smiley à insérer dans votre commentaire

:)) ;)) ;;) :X :(( =(( :-o :-* :| :)] :-t
b-( :-L :-/ o_O :D ;) :p :) :( 8-) ^^

Enregistrer un commentaire

Related Posts with Thumbnails